سيد محمد طنطاوي
100
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والإنسان : المراد به الجنس ، أو الكافر . . وأل في الشر والخير للجنس - أيضا « 1 » . والتعبير بقوله : * ( خُلِقَ هَلُوعاً ) * يشير إلى أن جنس الإنسان - إلا من عصم اللَّه - مفطور ومطبوع ، على أنه إذا أصابه الشر جزع ، وإذا مسه الخير بخل . . وأن هاتين الصفتين ليستا من الصفات التي يحبها اللَّه - تعالى - بدليل أنه - سبحانه - قد استثنى المصلين وغيرهم من التلبس بهاتين الصفتين . وبدليل أن من صفات المؤمن الصادق أن يكون شكورا عند الرخاء صبورا عند الضراء . وفي الحديث الشريف ، يقول صلى اللَّه عليه وسلم : « شر ما في الرجل : شح هالع ، وجبن خالع » وفي حديث آخر يقول صلى اللَّه عليه وسلم : « عجبا لأمر المؤمن ، إن أمره كله له خير ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له » . قال الجمل : وقوله : * ( جَزُوعاً ) * و * ( مَنُوعاً ) * فيهما ثلاثة أوجه : أحدها : أنهما منصوبان على الحال من الضمير في * ( هَلُوعاً ) * ، وهو العامل فيهما . والتقدير : هلوعا حال كونه جزوعا وقت مس الشر ، ومنوعا وقت مس الخير : الثاني : أنهما خبران لكان أو صار مضمرة . أي : إذا مسه الشر كان أو صار جزوعا ، وإذا مسه الخير كان أو صار منوعا . الثالث : أنهما نعتان لقوله : « هلوعا » « 2 » . ثم وصف - سبحانه - من استثناهم من الإنسان الهلوع ، بجملة من الصفات الكريمة ، فقال : * ( إِلَّا الْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ) * . أي : إن الناس جميعا قد جبلوا على الجزع عند الضراء ، وعلى المنع عند السراء . . إلا المصلين منهم ، الذين يواظبون على أدائها مواظبة تامة ، دون أن يشغلهم عن أدائها : عسر أو يسر ، أو غنى أو فقر ، أو إقامة أو سفر . فهم ممن قال - سبحانه - في شأنهم : رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّه ، وإِقامِ الصَّلاةِ وإِيتاءِ الزَّكاةِ ، يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيه الْقُلُوبُ والأَبْصارُ . وقال - سبحانه - : * ( عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ) * للإشارة إلى أنهم لا يشغلهم عنها شاغل ، إذ الدوام على الشيء عدم تركه . وفي إضافة « الصلاة » إلى ضمير « المصلين » تنويه بشأنهم ، وإشعار باختصاصها بهم ، إذ هم أصحابها الملازمون لها .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 29 ص 61 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 406 .